خواطر الإمام حسن البنا حول سورة المجادلة

إعداد/ موقع الإمام حسن البنا

تتناول سورة المجادلة بعض الأحكام الشرعية إلى جانب بعض الآداب حيث وصفها الشهيد سيد قطب بقوله: (نحن في هذه السورة مع أحداث السيرة في المجتمع المدني، مع الجماعة المسلمة الناشئة ؛ حيث تربى وتقوم، وتعد للنهوض بدورها العالمي، بل بدورها الكوني، الذي قدره الله لها في دورة هذا الكون ومقدراته، وهو دور ضخم).

وانطلاقا من هذه المعاني حاول الإمام البنا أن يفسر بعض السور تربويا بخلاف الخواطر التي كان يتناول فيها بعض الآيات المتفرقات من أجل ترسيخ وتكريس معاني تربوية في نفوس الناس. وكانت أهم سمة تجمع تلك المقالات أنها تعالج واقعًا معينًا.

من الآدب العالي

سورة المجادلة

}قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ  مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 1-4].

سبب النزول:

المرأة التى جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى زوجها هي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقد كان بينهما شيء فغضب وظاهر منها، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية، وذلك أول ظهار وقع فى الإسلام، ثم ندم على ذلك، ومنعتْه نَفْسَها حتى يحكم الله ورسوله فيهما بحكمه، وتحرج هو فقال لها: ما أظنك إلا قد حَرُمْتِ علىَّ، فجمعت عليها ثيابها وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرق أهلي، وكبر سني ظاهرني، وقد ندم؛ فهل من شيء يجمعني وإياه تنفسني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا، وإنه أبو ولدى، وأحب الناس إلىَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه. فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي، ونفضت له بطني، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر فى شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما قال لها: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وإن لي صبية صغارًا؛ إن ضممتُهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىَّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك فَرَجى، فأنزل الله الآيات الكريمة}قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللهِ} الآيات.

فوائد وعظات: فَعُلِمَ مَنْ سببُ نزول الآية الكريمة، وإليك بعض ما فيها من عظيم الفوائد ونبيل المقاصد وجليل العبر والعظات:

منزلة المرأة فى الإسلام:

فى الآية إشادة بمنزلة المرأة فى الإسلام، وكيف أنها كانت من عظيم المنزلة وشرف القدر ما يجعلها تقف أمام رسول الله  صلى الله عليه وسلم تجادله وتحاوره وتبادله الحجة بالحجة، حتى إن القرآن يستدل فى شأنها ويستجيب الحق لندائها، وتكون قضيتها صدر سورة من كتاب الله خالدة ما بقيت السماوات والأرض، ورضى الله عن أم المؤمنين عائشة إذ تقول: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلَة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله -عز وجل- }قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فى زَوْجِهَا} الآية.

مؤمنة تفقه دورها:

وفى الآية كذلك بيان إلى ما جبلت عليه المرأة المسلمة من شريف الخلال ونبيل الخصال وكريم الأخلاق، فأنت تراها فى هذه القصة مؤمنة تقية قوية الإيمان عظيمة التقوى لله، تمنع نفسَها زوجَها حتى تعلم حكم الله ورسوله، وتلجأ إلى الله وحده فى حرارة ورجاء وأمل، تسأله أن ينزل تفريج كربها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وتراها فقيهة ذكية الفؤاد تقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وتراها وفية لزوجها أمينة على صحبته حفيظة على حقوق عشرته، وتراها مربية فاضلة تقدر حياة الأسرة قدرها وتحافظ على كيانها، وتعلم أن الأسرة المبتورة لا خير فيها، وأن أبناءها إن ضمتهم إلى أبيهم دونها ضاعوا؛ إذ فقدوا المربى الأول وهو الأم، وإن ضمتهم إليها دونه جاعوا؛ إذ فقدوا العائل القوى؛ فما أفضله إدراكًا لمهمة كل ركن من ركني الأسرة، وتحديد الحقوق والواجبات فى إجمال وإيجاز.

من أحكام الظهار:

وفى الآية بعد ذلك أحكام الظهار وإليك مجملها:

أ-      الظهار أن يقول الرجل لزوجته: "أنت علىَّ كظهر أمي"؛ يقصد بذلك أنها محرمة عليه كتحريم أمه ولا يقصد بذلك الطلاق بل التحريم كتحريم من شبه بها فى ظهاره، ومثل الأم فى ذلك بقية المحارم على التأبيد كالأخت والعمة والخالة، وكذلك إذا قال لها: أنت منى أو معي؛ يريد بذلك التحريم أيضًا، أما إن أراد التكريم فليس ظهارًا.

ومثل الظَّهْر سواه من أجزاء الجسم؛ فلو كان كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو شبه عضوًا منها بعضو من أعضاء أمه أو إحدى محارمه فهو ظهار كذلك، وعند أبى حنيفة رضى الله عنه لا يكون الظهار إلا فى التشبيه بالبطن أو الفرج أو الفخذ، وأما فى غيرها من الأعضاء فلا. 

وقال الظاهرية: لا يتحقق الظهار إلا بتكرير اللفظ أخذًا بظاهر الآية فى قوله تعالى: }ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} ، وهو خلاف ما عليه جمهور الأئمة.

ب-    الظهار كما تقدم محرم؛ لأنه منكر من القول أو هو تحريف للأوضاع التى أرادها الدين وأكدها القرابات والأنساب، وزور لأنه غير مطابق للحقيقة فليست هي أمه، وإنما أمه التى ولدته؛ ولهذا قال الحق -تبارك وتعالى-: }الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}[المجادلة: 2].

ج-     والمظاهر من امرأته إن أراد أن يعود إليها، وهو المقصود فى الآية الكريمة بقوله تعالى: }ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}  قال الفراء: يقال عاد فلان لما قال أى فيما قال، وقال قوم: إن المراد من العود الوطء، وهو قول الحسن وقتادة وطاووس والزهري، وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها، وذهب أبو حنيفة إلى أن الظهار نفسه يوجب الكفارة؛ لأنه محرم.

وقال قوم: هو العزم على الوطء، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. وذهب الشافعي إلى أن العود هو أن يمسكها عقيب الظهار زمانًا يمكنه أن يفارقها فيه فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار فى الحال أو مات أحدهما فى الوقت فلا كفارة عليه؛ لأن العود للقول هو المخالفة. وعلى ذلك فالمظاهر إذا أراد أن يعود وجبت عليه الكفارة قبل أن يمسها، وقال مالك: إلا فى الإطعام فيجوز أن يمسها قبل أن يكفر. وكفارة الظهار على الترتيب فيبدأ بالعتق، فمن لم يجد فعليه الصوم، فمن لم يستطع فعليه الإطعام.

وفى تمام القصة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم دعاها فقال: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنًا ثم قرأ علىَّ: }قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فى زَوْجِهَا الآيات إلى قوله تعالى: }وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة، قالت: فقلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قالت: فقلت والله إنه لشيخ كبير ما له من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: فإنا سنعينه بفرق من تمر، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بفرق آخر، قال: قد أصبتِ وأحسنتِ فاذهبى فتصدقي به، ثم استوصى بابن عمك خيرًا، فقالت: ففعلت.

فائدة:

وهي مَنْقَبة أخرى من مناقب خولة -رضى الله عنها- وفيه جواز أن يعين القاضي على خلاص المتهم مما وقع فيه بمثل هذا الإحسان الكريم، فهذا أول الآداب العالية التى ذكرت فى هذه السورة الكريمة مما يتعلق بحياة الأسرة وحقوق الزوجية(1).

 

من الأدب العالي

}إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فى السَّمَاوَاتِ وَمَا فى الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى ممِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ} [المجادلة: 5-7].

المحادة: المشاقة والمخالفة والعصيان ومجاوزة الحدود.

والكبت: القمع والمنع وتغلغل الحزن والألم فى النفس.

والعذاب المهين: المؤلم الذي تسقط منه الكرامة وتعظم به الإهانة، وفى الآيتين الكريمتين أمور ثلاثة:

أ-      سنة الله -تبارك وتعالى- فى الانتقام فى الدنيا من الأمم التى تخرج على حدوده، وتخالف عن أمره بعد أن تتضح لها الآيات البينات، وتأتيها رسلها بشرائع الله القوية فتأبى إلا العناد والإصرار ومقاومة نور الحق بظلمة الباطل، أو تهمل هذه الشرائع فلا تعمل بها، ولا تنفذ أحكامها.. هذه الأمم لا بد أن ينتقم الله منها بالدنيا بصنوف كثيرة من صنوف الانتقام؛ فهناك الضيق فى الرزق، وهناك الاستعمار والذلة، وهناك الأمراض والأسقام، وهناك بلبلة البال وفقدان الطمأنينة واختلال الأمن وجور السلطان، ثم من بعد ذلك كله الآفات الكونية والاستئصال الإلهي، وما يعلم جنود ربك إلا هو. وقد أوضح الحق -تبارك وتعالى- هذه السنة جملة وتفصيلا، وضرب لنا الأمثال بالأمم السابقة بعد أن بين أن سر ذلك الانتقام هو الانحراف عن دين الله وإهمال شريعته والمخالفة عن أمره؛ مما يؤدى إلى غضب الله -تبارك وتعالى- وحلول اللعنة على هذه الأمة كما قال تعالى: }لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[المائدة: 78-79]، وكما قال تعالى: }وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

فإذا فاءت هذه الأمم إلى ربها ورجعت إلى دينها أدال الله لها من أعدائها، ورد عليها عزتها، وأزال عنها آلامها وأوصابها كما قال تعالى: }فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12] بعد أن قال تعالى: }وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96].

ب-    بيان أن انتقام الحق -تبارك وتعالى- ممن يعصونه ويحادونه ليس قاصرًا على الدنيا، ولكن الحق -تبارك وتعالى- يحصيه عليهم ويبعثهم يوم القيامة فيخبرهم بأعمالهم ويحاسبهم عليها ويعذبهم بها عذابًا شديدًا مهينًا، ويذكرهم بما كانوا من أعمالهم، والحق -تبارك وتعالى- منزه عن الغفلة والنسيان. وفى الحديث الشريف: "البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، كما تدين تدان".

ج-     بيانُ عظيمِ مراقبة الله -تبارك وتعالى- لخلقه، وإحاطته بكل ما يعملون من صغير وكبير، وذلك من عدة أوجه؛ منها سعة علمه -تبارك وتعالى- الذى لا تخفى عليه خافية كما قال تعالى: }يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ} [غافر: 19]، كما قال تعالى حكاية عن لقمان: }يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فى صَخْرَةٍ أَوْ فى السَّمَاوَاتِ أَوْ فى الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16]، وكما قال تعالى: }وَمَا تَكُونُ فى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فى الأَرْضِ وَلاَ فى السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فى كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61].

ومنها الكتبة الذين يحصون أعمال العبد عليه ويسجلونها فى كتاب حفيظ كما قال -تبارك وتعالى-: }وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فى الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} [القمر: 52-53]، وكما قال تعالى: }وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وقال تعالى: }وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 13-14]، وقال تعالى: }وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[الجاثية: 28-29]، وقد جمع الحق هذين المعنيين فى آية واحدة فقال تبارك وتعالى: }أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80].

وخلاصة ذلك أن سعادة الدارين موقوفة مع الأدب مع الله -تبارك وتعالى- والتزام حدوده وإنفاذ أمره واجتناب ما نهى عنه، فشد يدك يا أخي على ذلك تكن من الفائزين(2).

 

المناجاة في القرآن

}أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فى أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَووْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[المجادلة: 8-10].

معاني بعض المفردات:

النجوى: السر، وهي بين القوم التهامس وإخفاء الحديث وجعله قاصرًا عليهم لا يسمعه غيرهم.

سبب النزول:

كان بين رسول الله  صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، وكان إذا مر بهم نفر من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره أو يذهب به الظن إلى أنهم قد يكونون علموا بأخبار تسوء بالنسبة لإخوانه الذين فى السرايا والبعوث وهو لم يعلم بها؛ فهم لهذا يتهامسون ويتغامزون، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم ينتهوا، وعادوا إلى ما كانوا عليه من هذا التهامس والتغامز على المؤمنين، والخوض فى أعراضهم، وتدبير المكايد لهم، ولجوا فى عصيان الرسول ومخالفة أمره الشريف لا ينتهون ولا يرتدعون. وكانوا إذا دخلوا عليه أو على أصحابه الكرام ألحدوا فى السلام، وحرفوا الكلم عن مواضعه، ولووا به ألسنتهم، فقالوا: السام عليكم، ولم يقولوا: السلام عليكم. رواه ابن أبى حاتم بسنده عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم يهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام. وفى رواية أنها قالت لهم: وعليكم السام والذام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش"، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوما سمعت أقول وعليكم"، وفى رواية أنه قال صلى الله عليه وسلم: "إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا".

وكانوا بعد ذلك يقولون فى أنفسهم: ها نحن قد حرفنا القول وألحدنا السلام وذممناهم وسببناهم، فلو كان هذا نبيًّا لعذبنا الله بهذا العدوان عليه، ونسوا أن من ورائهم جهنم يصلونها فبئس المصير، فأنزل الله الآيات الكريمة ردًّا عليهم وتبيانًا لحالهم وتبكيتًا لهم. هذا ما تظاهرت عليه الآيات الكريمة. وفى رواية لابن أبى حاتم بسنده عن أبى سعيد الخدري قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت عنده، يطرقه من الليل أمر وتبدو له حاجة، فلما كانت ذات ليلة كثر أهل النوب والمحتسبون، حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذه النجوى؟ ألم تُنهوا عن النجوى؟" قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا فى ذكر المسيح فرقًا منه، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه"؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل"، وكأن معنى هذا أن الآية نزلت فى نفر من الصحابة، وذلك لا يتفق مع آخر الآية فى قوله تعالى: }ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}[المجادلة: 8] على أن الإسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء، وفيه بعد هذا ما علمت.

شرح الآيات:

وبعد أن أوضح القرآن الكريم فساد عمل هؤلاء المنافقين أرشد المؤمنين إلى ما يجب أن تكون عليه النجوى فيما بينهم، وأن ذلك لا يكون إلا البر والتقوى ليس الإثم والعدوان ومعصية الرسول، فإن المؤمن طاهر القلب كريم النفس لا يصدر عنه إلا الخير ولا يدور بخلده إلا الخير؛ فهو محفوظ القلب محفوظ اللب محفوظ السر من خطرات الشياطين ولمة المفسدين؛ ولهذا قال -تبارك وتعالى- بعد ذلك: }إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنما يراد بذلك النجوى الكاذبة الخاطئة كنجوى المنافقين، وإنما يريد الشيطان بذلك أن يؤلم المؤمن ويحزن نفسه، وليس فى ذلك ما يضيره أبدًا، فإن الأمور كلها بيد الله، والمؤمن أعرف الناس بالله، فهو متوكل على ربه راضٍ بقضائه، وعلى الله فليتوكل المؤمنون.

آداب عالية:

وهنا أدب عالٍ من آداب الإسلام التى يرشد إليها أبناءه، ذلك هو مراعاة شعور غيرك والمحافظة على إحساسه بحيث لا تأتى بعمل يتألم منه غيرك، وفى ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه".

ومثل ذلك أن يتكلم الاثنان أمام الثالث بلغة يجهلها فإن ذلك يحزنه، كذلك ألا يستأذناه. فانظر إلى أى حد راعى الإسلام الرقة فى المجاملة وفى المحافظة على حقوق الآخرين(3).

 

من آداب المجالس

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المجادلة: 11-13].

معاني بعض المفردات:

النشوز: الخروج والبروز والظهور، والمراد به الإسراع إلى الخير والمبادرة به.

والإشفاق: الخوف والتوجس.

سبب النزول:

قال قتادة: نزلت هذه الآية فى مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا بخلوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض.

وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يومئذ فى الصفة، وفى المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فرد النبي  صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي  صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشق ذلك على النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان. فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر. فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة فى وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبل عدل على هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله رجلا يفسح لأخيه"، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا، فيفسح القوم لإخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. (رواه ابن أبى حاتم).

وقال أبو العالية والقرظي والحسن: وروى عن ابن عباس أن الآية فى مجالس القتال والحرب، كان الرجل يأتي القوم فى الصف فيقول: توسعوا، فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم فى الشهادة فأنزل الله الآية الكريمة، والأول أشهر وأرجح، والآية تحتملهما معًا، وتحتمل غيرهما من معاني الشركة فى الخير، وإفساح المجال فيه للمؤمنين والمبادرة إليه.

شرح الآيات:

ويكون معنى الآية على هذا "يا أيها الذين آمنوا إذا طلب إخوانكم أن تتفسحوا فى المجالس وتوسعوا لهم فيها فاسمعوا لهم، ومكنوهم من ذلك، وراعوا المنازل والأقدار؛ فقدموا أهل الإيمان والعلم أولا، ثم من يليهم. وأنزلوا الناس فى ذلك منازلهم. والله بما تعملون خبير". وتكون الآية حينئذ إقرارًا للرسول صلى الله عليه وسلم على فعله من إقامته للمسبوقين وإذنه لأولى السابقة من البدريين باحتلال أمكنتهم، وعلى ذلك يكون من حق الرئيس أو الكبير أن يأمر بهذا مَنْ هم أقل منه فى مجلسه.

من محظورات المجالس وآدابها:

ولكن ليس من حق الإنسان أن يقيم شخصًا أيًّا كان من مجلسه ليجلس هو مكانه، وخصوصًا فى الجمعة؛ فقد نهينا عن ذلك.

روى الإمام أحمد والشافعي بسندهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا".

وروى فى الصحيحين من حديث نافع وروى الشافعي بسنده: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ولكن ليقل: أفسحوا".

والأفضل أن يجلس الإنسان حيث انتهى به المجلس؛ ففي الحديث المروى فى السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، فكان الصحابة -رضى الله عنهم- يجلسون منه على مراتبهم؛ فالصديق رضى الله عنه يجلسه عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالبًا عثمان وعلى؛ لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهم بذلك كما رواه مسلم من حديث الأعمش بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "ليَلِينِى منكم أولو الأحلام والنهى".

وخلاصة هذا الأدب الكريم البادي فى هذه الآية المطهرة أن المستحب فى المجالس أن تنظم على حسب أقدار من سيجلسون، ويوضع كل منهم فى المرتبة اللائقة به، فإذا خولف هذا النظام فلا بأس بأن يطلب الإنسان الفسحة من إخوانه ليصل إلى مرتبته، وعليهم أن يفسحوا له، فإذا جلس حيث انتهى به المجلس كان ذلك أجدر بالنسبة له. وإذا أمر الرئيس أو نحوه أحدًا بإخلاء مكانه لسواه فعليه الطاعة لقوله تعالى: }وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُو}

وقوله تبارك وتعالى: }يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات}[المجادلة:11] إما أن يكون المقصود بهؤلاء القادمين ويكون المراد برفعتهم إنزالهم منزلتهم فى المجلس، وإما أن يكون المراد الجالسين الذين يمتثلون فيؤمنون بحكمة هذا التشريع، ويعلمون أسراره، ويطيبون نفسًا به؛ فيرفعهم الله بحسن الثواب فى الآخرة، أو يكون المراد هما معًا والله أعلم بمراده. هذا فى المجالس، وهل يكون الأمر على ذلك فى صفوف الصلاة؟

فأما أبى بن كعب رضى الله عنه فقد تمسك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِيَلِينِى منكم أولو الأحلام والنهى"؛ فكان إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلا من أفناء الناس، ويدخل هو فى الصف المقدم؛ إذ كان سيد القراء لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس فى المكان الذي يقوم له عنه صاحبه، محتجًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا"، ولكل وجهة فليتصرف المؤمن بحسب ظرفه، وهو فى كلتا الحالتين موافق لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حكم القيام للوارد:

وهل يقوم الجالسون للوارد أو يتفسحون من جلوس فقط؟ أجمع المسلمون على جواز التفسح من جلوس، واختلف الفقهاء فى القيام على أقوال؛ فمنهم من رخص فيه مستندًا إلى حديث "قوموا إلى سيدكم". وحديث قيامه صلى الله عليه وسلم لفاطمة -رضى الله عنها- وقيامها له صلى الله عليه وسلم، ومنهم من منع ذلك محتجًا بحديث "من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار"، ومنهم من فصَّل؛ فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم فى محل ولايته كما تدل عليه قصة سعد بن معاذ.

وفى فتاوى الإمام النووي ما نصه: قيام الناس بعضهم لبعض كما هو العادة هل هو جائز أم حرام أم مكروه؟ وهل ثبت فى جوازه أو منعه شىء؟ الجواب: القيام لأهل الفضل وذوي الحقوق فضيلة على سبيل الإكرام، وقد جاءت به أحاديث صحيحة، وقد جمعتها من آثار السلف وأقاويل العلماء فى ذلك والجواب عما جاء مما يوهم معارضتها وليس معارضًا، وقد أوضحت ذلك فى جزء معروف؛ فالذي نختاره ونعمل به واشتهر عن السلف من أقوالهم وأفعالهم جواز القيام واستحبابه على الوجه الذي ذكرناه، والله أعلم. وقد راجعت هذا الجزء المشار إليه وهو المرسوم بالترخيص بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام، وفيه أوفى الشيخ النووي البحث حقه رضى الله عنه ونفع به.

فضل الإيمان والعلم:

وفى الآية الكريمة بعد هذا تنبيه إلى فضل الإيمان والعلم وإلى بيان استحقاق أصحابهما للرفعة فى الدنيا والآخرة. روى الإمام أحمد بسنده أن نافع بن الحارث لقى عمر بن الخطاب بعسفان وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استُخلف على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليه ابن أبزى (رجلا من موالينا)، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض قاضٍ، فقال عمر بن الخطاب: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".

من آداب المسلمين مع الرسول:

ثم ذكر القرآن الكريم بعد ذلك أدبًا يتعلق بالمسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله: فقدموا بين يدي نجواكم صدقة، وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقُّوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما شق ذلك عليهم نسخها الله -تبارك وتعالى- بما بعدها، وأنزل الرخصة فى ذلك؛ حتى قال معمر بن قتادة: إنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار.

وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها إلا على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا على بن أبى طالب، قدم دينارًا صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة.

وفى بعض روايات الأثر قال على: ولم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدى. وفى رواية أخرى عنه قال: إنها حين أنزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: ما ترى؟ دينار؟ قال: لا يطيقون، قال: نصف دينار؟ قال: لا يطيقون، قال: ما ترى؟ قال: شعيرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لزهيد. فنزلت }أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ الآية، قال علىّ فَبِى خفف الله عنهم بهذه الآية.

وقال العوفي عن ابن عباس: "كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نُسِخَ هذا".

وعلى كلٍّ فالذي يبدو أن الحكمة فى هذا التشريع إشعارهم أن خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كخطاب غيره من الناس، ومنزلته ليست كمنزلته حتى فى المحادثة، حتى إذا تقرر هذا فى نفوسهم واستشعرته قلوبهم خفف الله عنهم، ورخص لهم، والله رؤوف رحيم(4).

 

من أوصاف المؤمنين والمنافقين

}أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ  مُّهِينٌ * لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهِ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ ههُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فى الأذذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ * لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 14-22].

معاني بعض المفردات:

تولوا قومًا: صاحبوهم واتخذوهم أصدقاء.

يحلفون على الكذب: يحلفون بالكذب، ويريدون تغيير الحقائق بالإيمان.

وهم يعلمون: وهم يعرفون أنهم كاذبون.

والْجُنَّة: نعم الحميم الوقاية والحاجز.

استحوذ عليهم الشيطان: استولى عليهم وفتنهم.

المحادة: المشاقة والمخالفة.

والتأييد: النصر والمعاضدة والمعونة.

معنى الآيات:

فى الآيات الكريمة وصف لأحوال نفسية تتجلى فى صنفين من الناس: صنف المذبذبين المنافقين الذين يقولون ما لا يعلمون، ويحرفون ما يسمعون، وينكرون ما يقولون، ويريدون إذكاء الفتنة الخامدة، وإيقاظ الشر النائم. وفئة المؤمنين المخلصين الذين استولت على نفوسهم عقيدتهم، ففنوا فيها بقدر ما امتزجت بأرواحهم، وجعلوا كل أعراض الحياة لها فداء.

 ومن أمثلة الأولين عبد الله بن نبتل، ومن أمثلة الآخرين أبو بكر وأبو عبيدة وعلىّ وحمزة وعبيدة بن الحارث ومصعب بن عمير رضى الله عنهم أجمعين.

سبب نزول الآيات:

قال السدى ومقاتل فى أوائل هذه الآيات: نزلت فى عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجرة من حجراته إذ قال: "يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعيني شيطان"، فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق العينين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟"، فحلف بالله ما فعل، وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، فأنزل الله -عز وجل- هذه الآيات.

وقال سعيد بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود فى الآيات الباقية: إنها نزلت فى أبى عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح قتل أباه يوم بدر، وقيل يوم أحد. وفى أبى بكر حين أراد أن يبارز ابنه عبد الرحمن يوم بدر قبل أن يسلم، وقال: يا رسول الله دعني أكن فى الرعلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "متعنا بنفسك يا أبا بكر".

وفى مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد. وفى عمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر. وفى علىّ وحمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر.

ومن هذا الباب ما قال عمر حين استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أسرى بدر؛ فكان من رأْى عمر أن يمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل واحد من المشركين قريبًا له من المسلمين يقتله، يقول عمر: ليعلم الله أنه ليس فى قلوبنا موادة للمشركين.

وذكر بعضهم أنها نزلت عقابًا لحاطب بن أبى بلتعة يوم كتب إلى المشركين فى قصته المشهورة.

ومهما كانت أسباب النزول ففي الآيات الكريمة بيان لعدة أوصاف من أوصاف المنافقين، وعدة أوصاف من أوصاف المؤمنين تلازم كلا منهما أبد الدهر، وكما كانت تلك أوصافهم فى كل عصر من العصور خالدة على الزمن باقية على الدهر شنشنة تعرف من أخزم، فتعال معًا نكشف بعض أعراض تلك الأوصاف:

من أوصاف المنافقين:

فأما الأولون فقد وصفهم القرآن الكريم بأنهم تولوا قومًا غضب الله عليهم فلم يصاحبوا أطهارًا، ولكنهم صاحبوا من على شاكلتهم ممن حلت بهم اللعنة ونزل عليهم السخط، وشبه الشيء منجذب إليه، ولن تروج الفتنة، ولن يجد الدسَّاس مجالا إلا عند مرضى القلوب، ضعاف العقائد صغار النفوس.

ووصفهم بأنهم ما هم منكم ولا منهم، فهم لم ينقلوا ما نقلوا بإخلاص، يبتغون من ورائه منفعة المنقول عنهم أو المنقول لهم؛ وإنما هو داء وبيل، وخلق ضعيف، فهم يجرون على غرار طبيعتهم، ويسيرون وفق غريزتهم؛ جبلوا على الشر، وطبعوا على الأذى، وويل لمن جعله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير.

ووصفهم بأنهم يحلفون على الكذب، مع علمهم بأنهم كاذبون عن غير خطأ أو نسيان، إنما هو جبن وخور يحملهم على التنصل من تبعة ما ارتكبوا وعدم الثبات على ما قالوا؛ فهم قد جمعوا إلى خيانة النقل وتحريف القول كَذِبَ اليمين وفقدانَ الشجاعة الأدبية والهروبَ من التبعة.

ووصفهم بأنهم يتخذون هذه الأيمان الكاذبة وقاية من الجزاء العاجل، وحاضرًا دون احتمال العقوبة الحاضرة، وهم بذلك يصدون عن سبيل الله ويحاربون الله ورسوله إذا حسبوا أن هذه الأيمان تنجيهم من عذاب ب الله؛ كأنهم لما وجدوا سبيل الهرب وستر أعمالهم، وفهموا أن هذه الأيمان تصلح لذلك اندفعوا فى طريق الصد عن سبيل الله والعدوان على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

ووصفهم بتأصل هذه الخصال فى نفوسهم، حتى إنهم يوم القيامة يحاولون أن يخدعوا ربهم فى الآخرة، وهي دار الحق بما كانوا يحاولون أن يدفعوا بهم عن أنفسهم فى دار الدنيا، فيحلفون بالباطل كما كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونسوا أن الآخرة دار الحساب ودار كشف المخبآت وإظهار السيئات والحسنات، يوم تبلى السرائر فتجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، فأعجب لخادع يخدع نفسه!!

سر اتصافهم بهذه الأوصاف:

ثم ذكر الحق -تبارك وتعالى- أن هؤلاء إنما حل بهم هذا الوبال من طريق واحد هو أنهم أسلموا للشيطان قلوبهم، ومكنوه من نفوسهم، فاستولى عليهم، وتخلل مسالك أرواحهم، وتمكن من أفئدتهم؛ فكانوا حزبه وشيعته، فزين لهم الباطل، وحسن لهم القبائح، وحال بينهم وبين التفكير فى رقابة الحق عليهم والتفكير فى آياته بين يديهم. وليس للقلب إلا وجهة واحدة؛ فإذا مكَّنت فيه للشيطان هجره ذكر الرحمن، وإذا ملأته بمعرفة الرحمن فارقته لَمَّةُ الشيطان؛ فالأولون ينطبق عليهم قول الحق -تبارك وتعالى-: }وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، والآخرون ينطبق عليهم قوله تعالى: }إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا [الإسراء: 65].

وبيَّن الحق بعد ذلك جزاء هؤلاء القوم بعد أن وصف أعمالهم وخصالهم بالسوء والقبح والانحراف عن جادة الصواب، فبين أن لهم عذابًا مهينًا تضيع معه كراماتهم، وتنحط أقدارهم، ولن يخلصهم من هذا العذاب مال ولا ولد، وإنما هم فى النار خالدون.

ولما كان من بعض مزاعم هؤلاء القوم ومن لف لفهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سوف ينهزمون أمام جبابرة الأرض من روم وفرس وغيرهم يهولون بهذا القول، ويحاولون أن ينالوا من عزائم المؤمنين.

جزاؤهم:

بين الحق -تبارك وتعالى- سنته فى ذلك وقانونه الذى لا يختلف؛ فذكر أن كل من حاد الله ورسوله، وخالف عن أمره، وحارب أولياءه حقت عليه كلمة العذاب، وحل به الذل المقيم فى الدنيا بالأَسْر والهزيمة، وفى الآخرة بالنار التى وقودها الناس والحجارة، كتب الله ذلك يوم خلق السماوات والأرض أن تكون الغلبة لله على أعدائه، ولرسله بنصْره إياهم؛ فمن كان من رسل الحرب فنصْرُه فى ميادين القتال، ومن كان من رسل القول فنصْرُه فى حلبة البيان ونصاعة الحجة ووضوح البرهان، ومن جمعهما الله له أيده بها جميعًا، تلك سنة الله التى قررتها الأديان، وجرت عليها الأزمان، وأثبتها التاريخ، وعرفها الناس علمًا وعملا.

ارتباط الآية الكريمة بما قبلها:

ونقول فى ارتباط الآية الكريمة بما قبلها: إنه لما كان هؤلاء القوم قد حادوا الله ورسوله بيّن الله لهم مصائرهم، وأنهم سيذلون فى الدنيا والآخرة، ولن ينالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه نيلا، والله غالب على أمره، وهو -سبحانه وتعالى- القوى العزيز.

من أوصاف المؤمنين:

وناسب ذلك طبعًا أن يتكلم لك القرآن الكريم عن موقف المؤمنين من هؤلاء المحادِّين، وأن يبين لك بعض أوصافهم كما بين لك أوصاف السابقين. فها أنت تراه قد وصفهم بوصفين اثنين كل منهما يقتضي الآخر ويستتبعه؛ وصفهم بأنهم آمنوا بالله واليوم والآخر إيمانًا قويًا متينًا، كتبه الله فى قلوبهم، وثبته فى أرواحهم، وتغلغل فى أفئدتهم؛ فأنتج الفناء فيه والفداء له والتضحية بكل شىء فى سبيله؛ فالإيمان والتضحية وصفا هؤلاء القوم، وهما متلازمان كما ترى؛ فمتى صح الإيمان وصدق استغنى به المؤمن عن كل أعراض الحياة فضحى بها فى سبيله، ولن تكون التضحية إلا حيث يكون الإيمان، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

جزاؤهم:

وجزاء هؤلاء القوم المؤمنين عند الله عظيم؛ فهم حزبه المنتسبون إليه المقربون لديه، يؤيدهم بنصره ويمدهم بروحه ويسددهم بتوفيقه ويصلح لهم دنياهم بنعمته، ولهم بعد ذلك فى الآخرة جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، ويعوضهم من فقدان العشائر والأنصار رضاه عنهم ورضاهم عنه، وما وجد شيئًا من فقده ولم يفقد شيئًا من وجده.

إذا صح منك الود فالكل هين            وكل الذي فوق التراب تراب

وهكذا ترى الجزاء من جنس العمل؛ قومًا يتركون فى سبيل الله آثارهم وإخوانهم وعشيرتهم وأولياءهم؛ فيكون الله لهم وليًّا }اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257]. كتب معاوية إلى عائشة -رضى الله عنها- أن اكتبي لي كتابًا توصيني فيه ولا تكثري علىَّ، فكتبت عائشة إلى معاوية: "سلام عليك، أما بعد، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام عليك". وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الديلمي من طريق الحسن عن معاذ "اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق يدًا ولا نعمة فيَوَدُّه قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت لي: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله".

ومما أخرجه الطبراني والحاكم والترمذي عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا يقول الحق -تبارك وتعالى-: "وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوالِ أوليائي ويعادِ أعدائي". وأخرج الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب مرفوعًا قال: "أوثق الإيمان الحب فى الله والبغض لله".

فهل فهم المسلمون هذا؛ فأحبوا إخوانهم وقاطعوا أعداءهم، وكانوا كما قال الله -تبارك وتعالى- فى أسلافهم: }أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، أم احتالتهم الشياطين عن دينهم، وخدعتهم الأبالسة عن قوميتهم؛ فاتبعوا سنن خصومهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع؟!

أيها الأخ الكريم:

فى هذه السورة الحكيمة آداب رائعة وحكم بارعة؛ فقد رأيت فيها أدب الزوجين وحرمة الزوجية كيف يسمو بها الإسلام إلى حد من القداسة، وأدب مراقبة الله -تبارك وتعالى-، وأدب تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدب احترامك لعواطف غيرك، وأوصاف المنافقين لتتجنبها، وأوصاف المؤمنين لتستمسك بها؛ فشد يدك على هذا الأدب الرباني، والله ولى توفيقنا وتوفيقك إلى ما يحبه ويرضاه(5).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة، العدد 19– 21جمادى الأولى 1354هـ/ 20أغسطس 1935م– صـ5 : 7.
  2. مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 22– 12جمادى الآخرة 1354هـ/ 10سبتمبر 1935م– صـ3 : 5.
  3. مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 23 – 19جمادى الآخرة 1354هـ/ 17سبتمبر 1935م– صـ6 : 7.
  4. مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 24– 26جمادى الآخرة 1354هـ/ 24سبتمبر 1935م– صـ6 : 9.
  5. مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 25– 3 رجب 1354هـ/ 1 أكتوبر 1935م– صـ6 : 9.
المقال التالي رسائل الإمام الشهيد حسن البنا إلى جماعة الإخوان المسلمين
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم